الاثنين، 15 سبتمبر 2014

أقوال السلف والعلماء في الرفق




- (بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ جماعة من رعيته اشتكوا من عماله، فأمرهم أن يوافوه، فلما أتوه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثُمَّ قال: أيها النَّاس، أيَّتها الرعية إنَّ لنا عليكم حقًّا، النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير، أيَّتها الرعاة إنَّ للرعيَّة عليكم حقًّا فاعلموا أنَّه لا شيء أحب إلى الله ولا أعز من حلم إمام ورفقه، ليس جهل أبغض إلى الله، ولا أغم من جهل إمام وخرقه، واعلموا أنَّه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه) [1485] رواه الطبري في ((تاريخه)) (4/224). .
- و(روي أنَّ عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد: فإنَّ التفهم في الخبر زيادة رشد، وإنَّ الرشيد من رشد عن العجلة، وإن الخائب من خاب عن الأناة، وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبًا وإن العَجِل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئًا، وأن من لا ينفعه الرِّفق يضره الخرق، ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي) [1486] ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (3/186). .
- وعن عروة بن الزبير قال: (كان يقال: الرِّفق رأس الحكمة) [1487] رواه ابن أبي شيبة (5/209) (25308)، ووكيع في ((الزهد)) (ص 776)، وأحمد في ((الزهد)) (ص 44)، وهناد في ((الزهد)) (2/653). .
- وعن الشعبي قال: (غُشي على مسروق في يوم صائف، وكانت عائشة قد تبنته فسمَّى بنته عائشة، وكان لا يعصي ابنته شيئًا، قال: فنزلت إليه فقالت: يا أبتاه، أفطر واشرب، قال: ما أردت لي يا بُنية؟ قالت: الرِّفق، قال. يا بنية، إنَّما طلبت الرِّفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، وفي رواية: (إنَّما طلبت الرِّفق لتعبي).
- وقال سفيان لأصحابه: (تدرون ما الرِّفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور في مواضعها؛ الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه) [1488] ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (3/186). .
- قال وهب بن منبه: (الرِّفق ثني الحلم) [1489] ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (3/186). .
- وعن قيس بن أبي حازم قال كان يقال: (الرِّفق يمن، والخرق شؤم) [1490] ((الزهد)) لهناد بن السري (2/654). .
- وعن حبيب بن حجر القيسيِّ قال: (كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرِّفق)[1491] ((عيون الأخبار)) لابن قتيبة (1/396)..
- وقال ابن القيم: (من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه) [1492] ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص 35). .
- وقال ابن حجر: (لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرِّفق، إلا عجز وانقطع فيغلب)[1493] ((فتح الباري)) لابن حجر (1/94). .
- وقال أبو حاتم: (الواجب على العاقل لزوم الرِّفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفَّة فيها، إذ الله تعالى يحب الرِّفق في الأمور كلها، ومن منع الرِّفق منع الخير ،كما أنَّ من أعطي الرِّفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب، إلا بمقارنة الرِّفق ومفارقة العجلة) [1494] ((روضة العقلاء)) لابن حبان البستي (ص 215). .
- وقال أيضًا: (العاقل يلزم الرِّفق في الأوقات، والاعتدال في الحالات؛ لأنَّ الزيادة على المقدار في المبتغى عيبٌ، كما أنَّ النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرِّفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرِّفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز ترجى السلامة، وفي ترك الرِّفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة) [1495] ((روضة العقلاء)) لابن حبان البستي (ص 216). .


الدرر السنية 

الترغيب في الرفق /ثانيا : من السنة النبوية

- عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أن يهود أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلًا يا عائشة، عليك بالرِّفق وإياك والعنف والفحش. قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في))[1474] رواه البخاري (6030). .
- وعن جرير رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يحرم الرِّفق يحرم الخير)[1475] رواه مسلم (2592). .
(يعني أنَّ الإنسان إذا حرم الرِّفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنَّه يحرم الخير كله، أي: فيما تصرَّف فيه، فإذا تصرَّف الإنسان بالعنف والشدة، فإنَّه يحرم الخير فيما فعل، وهذا شيء مجرَّبٌ ومشاهد، أنَّ الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشِّدَّة؛ فإنَّه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرِّفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير) [1476] ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/592). .
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به)) [1477] رواه مسلم (1828). .
و(قد يظن بعض النَّاس أنَّ معنى الرِّفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمر كذلك، بل الرِّفق أن تسير بالنَّاس حسب أوامر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق بالنَّاس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإنَّك تدخل في الطرف الثاني من الحديث، وهو الدعاء عليك بأن يشق الله عليك) [1478] ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/634). .
- وعنها أيضًا رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه [1479] الزين: ضد الشين. انظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (35/162). ، ولا ينزع من شيء إلا شانه [1480] شانه يشينه شينا: ضد زانه، أي عابه. انظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (35/299). )) [1481] رواه مسلم (2594). .
- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعطي حظه من الرِّفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرِّفق حرم حظه من الخير)) [1482] رواه الترمذي (2013) واللفظ له، وأحمد (6/451) (27593)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (464). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (6055). . (إذ به تنال المطالب الأخروية والدنيوية وبفوته يفوتان) [1483] ((فيض القدير)) للمناوي (6/75). .
وهذه النصوص التي مرت معنا تدل (على أنَّ الرِّفق في الأمور، والرِّفق بالنَّاس، واللين، والتيسير، من جواهر عقود الأخلاق الإسلامية، وأنَّها من صفات الكمال، وأنَّ الله تعالى من صفاته أنَّه رفيق، وأنه يحب من عباده الرِّفق، فهو يوصيهم به ويرغبهم فيه، ويعدهم عليه عطاءً لا يعطيه على شيءٍ آخر. ويُفهم من النصوص أنَّ العنف شَيْن خلقي، وأنَّه ظاهرة قبيحة، وأنَّ الله لا يحبه من عباده) [1484] ((الأخلاق الإسلامية)) لعبد الرحمن الميداني (2/339). .
المصدر الدرر السنية 

الترغيب في الرفق / أولا من القرآن

- قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159].
(يقول تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْأي: أي شيء جعلك لهم لينًا لولا رحمة الله بك وبهم) [1470] ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (2/148). .
- وقال سبحانه مخاطبًا الرسول: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215](أي: ارفق بهم وألن جانبك لهم) [1471] ((معالم التنزيل)) للبغوي (6/207). .
- وقال سبحانه: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 43-44].
فقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا (أي: سهلًا لطيفًا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف [1472] الصلف: مجاوزة القدر في الظرف والبراعة والادعاء فوق ذلك تكبرا. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (9/196). ، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، لَّعَلَّهُبسبب القول اللين يَتَذَكَّرُ ما ينفعه فيأتيه، أَوْ يَخْشَى ما يضره فيتركه، فإنَّ القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه) [1473] ((تيسير الكريم الرحمن)) للسعدي (506). .
المصدر  الدرر السنية 

معنى الرفق لغة واصطلاحا




معنى الرفق لغةً: 
الرِّفق ضد العنْف، وهو لين الجانب، ويقال: رَفَق بالأَمر وله وعليه يَرْفُق رِفْقًا، ومرفقًا: لان له جانبه وحسن صنيعه. ورَفُقَ يَرْفُقُ ورَفِقَ لطف ورفَقَ بالرجل وأَرْفَقه بمعنى وكذلك تَرفَّق به [1467] ((النهاية)) لابن الأثير (2/246)، ((لسان العرب)) لابن منظور (10/118)، ((المعجم الوسيط)) (1/362). .
معنى الرِّفق اصطلاحًا: 
قال ابن حجر في تعريف الرِّفق: (هو لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف) [1468] ((فتح الباري)) لابن حجر (10/449). .
وقال القاري: (هو المداراة مع الرفقاء، ولين الجانب، واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه، وأيسرها) [1469] ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3170). .
الدرر السنية 

درس في التوريث القيادي

Bottom of Form

بقلم الشيخ أبوجرة |

درس في التوريث القيادي

24/07/2010 08:29:52.

 


-
صفحة التوريث القيادي : لمنع حدوث الاحتكاك بين جيل ما قبل الفتح وجيل ما بعد الفتح.
-
وصفحة مجتمع ما بعد تبوك : حيث الإيمان في تمدد والنفاق في انحسار، وحيث لم يبق في المعارضة إلاّ تسعة (09) نفر فقط كمنوا تحت موجة المد الإسلامي الكاسح بانتظار حروب الردة.

درس في التوريث القيادي


بعد فتح مكة أدرك رسول الله أن مكة مازالت تمثل "عاصمة" الزعامات العربية، وأن الأحق بإمارتها هو كبير زعمائها، أبو سفيان بن حرب، ولعله قد تطلع إلى هذا المنصب أزيد من مائة (100) زعيم كلهم يشتركون في ثلاث صفات:
-
التقدم في السن والتجربة، ممن حنكهم الظروف
-
الانتساب لقبائل ذات شوكة وصولة وحسب ونسب..
-
التساوي في الأقدمية الزمنية التحاقا بركب الإسلام (يوم الفتح).

لكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاجأ كل هاتيك الزعامات التي حاربت الإسلام واحدا وعشرين (21) عاما، من يوم "إقرأ باسم ربك" إلى يوم "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" فتخطاها جميعا، وتجاوز كل شيوخ مكة وسادتها.. ووقع اختياره على شاب لم يتجاوز العشرين (20) عاما من عمره هو عتاب بن أسيد ليعطيه إمارة مكة المكرمة، ويضع تحت قيادته كل الزعامات القديمة، لسببين ظاهرين :
-
أنه لم يكن طرفا في الصراع، فعمره يساوي بالضبط عمر الدعوة،
-
أنه من بني أمية (حتى يسد به ثغرة التقول على بني عبد المطلب، فيقول المغرضون: لقد استعمل بني عمومته وهمش سادة بني أمية وشبابها؟؟) فأسكت بذلك الشيوخ والشباب والقبائل، وفتح بهذا الشاب صفحة جديدة من توظيف الكفاءات الشابة.. ثم وضع خطة لتوزيعهم، بعد هذه السابقة، على كل مناشط الحياة.

فكأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما شعر بدنوَّ أجله راح "يشبب" البنية الهيكلية للمجتمع الإسلامي.. ويعطي الإشارة لجيل التأسيس بأن عشرين (20) عاما من البناء (على تقوى من الله ورضوان) قد أنتجت جيلا جديدا من الشباب لابد من توظيف طاقاته في الفقه، والقراءة، والجهاد، والإمارة، والصحبة..
-
فأعطى لواء الفقه في الدين لسيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) وعمره لا يتجاوز الإثنين والعشرين (22) عاما.
-
وعقد لواء قيادة الجيش لأسامة بن زيد (رضي الله عنه) وعمره دون العشرين (20) عاما، وفي الجيش كبار الصحابة وعظماء الإسلام..
-
وفوّض..وقلّد..وأمر الشباب في كل المجالات..وكلها "تجديدات" في التوريث القيادي لإعادة هيكلة المجتمع الجديد،

وكأنه (صلى الله عليه وسلم) كان يؤصل للتوريث القيادي الذي لو تُرك لإجتهادات البشر لجمد الصف الأول على خط القيادة حتى "تتجدد" القيادة بالموت وما بعد الموت، لكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو العليم بدخيلة نفسيات البشر بما علمه ربنا تبارك وتعالى، وهو المدرك – من خلال حرص بعض الزعماء على الإمارة ولو على حجارة- كان يدرك أن "حب الظهور" نوع من أنواع إثبات الذات، لذلك تنبه إلى مخاطر مرض الزعامة فبادر إلى إيجاد مواقع متقدمة للشباب حتى لا يكون تقديمهم – من بعده- مزية من أحد أو تشريفا لمجرد أنهم شباب وأن من حقهم المشاركة، ولو رمزيا، لإعطاء دم جديد للقيادات المترهلة والزعامات الملتصقة بالكراسي، ليس بسبب كفاءاتها، وقدراتها، وإبداعاتها، ونصرتها لهذا الدين..بل لأنها وصلت أولا، وفي عقيدة بعض الزعماء أنهم إذا كانوا مقربين فأنهم مقربون من الكراسي وليس من جنات التعيم "على سرر متقابلين".

ليس هذا هو المهم، في موضوع الفرز التربوي اللازم بعد جوله يتحقق بعدها النصر أو تحيق بالمسلمين فيها الهزيمة، إنما المهم أن يدرك متصدرو الصفوف الأمامية درسين بالغي الأهمية في هذا الصدد، لأنهما مفتاحا كل نصر ومغلاقا كل هزيمة وهما:
الأول، مراجعة رصيد الإيمان : فبعد هزيمة المسلمين في أحد أصابهم الهمّ والغمّ..وشعر بعضهم بالمهانة والحزن.. فنزل قوله تعالى : "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين..".
-
فلا وهن..مع إيمان
-
ولا حزن..مع إيمان
-
بل هو استعلاء إيماني لحظة النصر ولحظة الهزيمة..
   
إذا كان رصيد الإيمان كافيا لمواصلة السير في طريق الدعوة دفاعا عن القيم وانتصارا للثوابت والمبادئ فذلك هو النصر الحقيقي..، لأن الهزيمة العسكرية جولة تجريبية قد تصبح تدريبا على الانتصارات المتوالية إذا استوعب أصحابها دروس الهزيمة، وبالمثل تماما، قد تمهد الانتصارات الكبرى لسلسلة من الهزائم الماحقة إذا لم يودَّ أصحابها واجبات الشكر وفروض العدل في الأرض، لذلك نزلت الآيات الكريمات – بعد انتصار المسلمين في بدر- مذكرة بضرورة مراجعة رصيد الإيمان : "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين".
-
فمع النصر نحتاج إلى تقوى الله تجديدا وتثبيتا
-
ومع النصر نحتاج إلى إصلاح ذات بيننا : شكرا وتواضعا ومودة وأخوة..لإننا سوف نتنازع حول كيفيات اقتسام الغنائم وتسوء فيها أخلاقنا (كما صرح بذلك أحد صحابة رسول الله عندما اختلف الصحابة حول كيفيات اقتسام غنائم الحرب بعد انتصارهم على المشركين في بدر؟؟)
-
ومع النصر نحتاج إلى تجديد مفهوم طاعة الله في قلوبنا حتى لا نغترَّ بقوتنا وأعدادنا ومضاء شوكتنا وتوالي انتصارتنا، فننسى أن النصر، كل النصر، من عند الله : "وما النصر إلاّ من عند الله".

فاحفظ هذا الدرس المحوري، وراجع رصيدك الإيماني، بعد كل نصر وإثر كل هزيمة، فالنصر والهزيمة (أو الإنتصار والإنكسار) شريكان لك في رصيد الإيمان، وكلاهما مخوّل أن يسحب من رصيدك الإيماني أو يضيف إليه رصيدا جديدا  بغير تفويض منك – مع فرحة النصر أو مع صدمة الهزيمة- يسحب أو يضيف مبلغا قد يتسبب لك في الإفلاس الإيماني الكامل، فتصاب بالإحباط، وتيأس من رحمة الله..فيمسك السوء ويلوطك الكفر : "إنه لا ييأس مع روْح الله إلاّ القوم الكافرون" فتعيش كل حياتك متخبطا تتعامل مع الله بصك بلا رصيد. (فافهم). أو يضاف إلى رصيدك ما يرتع بك درجات عالية تؤطلك إلى تبوإ مقاعد المحتسبين : "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم لإإيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"

والثاني، الناس مشاعر وليسو طوبا : هكذا علمنا الإسلام، ولك أنت أن تتصور نفسك واقفا يوم فتح مكة مع ألفين (2000) من الناس، حاربوا الإسلام عشرين عاما ثم ها هم بين يدي رسول الله وجلين بانتظار قرار القائد الأعلى لقوات الفتح التي كان قوامها عشرة ألآف (10.000) مقاتلا كل واحد منهم أعطاه الله تعالى قدرة مائة (100) مقاتل.. لأنهم كانوا قوما صابرين : "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين".

ولأن هؤلاء المشركين قد وقعوا أخيرا بين يدي من حاربوهم واحدا وعشرين (21) عاما، ولأنهم كانوا "مجرمين" في حق الإسلام ومحاربين رسوله..فقد كان القرار المتوقع واحدا من إثنين، حسبما يفهم من سياق ما جاء في كتاب الله عن نهايات كل حرب تُضرب فيها الرقاب فإذا بلغت المعركة نهايتها فالأمر يصير – بيد المنتصرين- إلى واحد من إثنين :
-
فإما منَّا بعدُ
-
وإما فداء
لكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) اختار أن تستمر أجواء فرحة الفتح بعيدا عن مشاعر "ضرب الأعناق"..وبعيدًا عن طلب الفدية..فقد اختار الرسول، هذه المرة، أن يكثّر سواد المسبحين (مع الداخلين في دين الله أفواجا).. أختار الاستغفار للذين أساؤوا التقدير في فهم حقيقة هذا الدين، أختار أن يجرجر شبه الجزيرة كلها إلى أن تركن إلى رحمة التواب الوهاب بالتسبيح والاستغفار : "إنه كان توابا".

وانطلقت الكلمة مدوية في أذن التاريخ : "إذهبوا فأنتم الطلقاء"، وحرر الإسلام رقابهم أجمعين بكلمة واحدة..وفي أقل من سبعين (70) يوما أنضم ألفان (2000) من الطلقاء إلى قائمة المجاهدين يوم حنين.. وهكذا.. وبكلمة واحدة حولتهم سماحة الإسلام من مجرد أرقام تنتظر التصفيات إلى طاقات عاملة لللإسلام، مدافعة عن حياضة منتصرة لدعوته..

فالدين المعاملة يا أخي، والناس –قبل أن يكونوا طينا وطوبا – كانوا عواطف وأحاسيس وخفقات قلوب..كانوا "نفخة من روح" طغت عليها جواذب الأرض فتحدّرت بها إلى ثقلة الطين..وإلى  مهاوي الرذيلة :
-
فكن أنت مع نفخة الروح منتصرًا لنداء الفطرة،
-
ولا تكن مع قبضة الطين متثاقلا إلى الأرض
والتوسط بينهما هو الإسلام، فإذا فقهت حقيقة هذا الدين أدركت أن الناس يقبلون عليه بسبب حسن معاملة أصحابه لهم وليس بسبب فصاحة ألسنتهم ومضاء أسلحتهم وكثرة أموالهم..فأحسن التعامل مع من يحيط بك من الناس وأشعرهم بأهميتهم عندك وتغاضى عن بعض أخطائهم وصححها بتواضع..و في أدب كريم، بعيدا عن لغة التشهير والفضيحة..وتجاوز عن بعض زلاتهم وأكرم عزيز قومه إذا  ذل..وتيقن أنك إن فعلت ذلك والتزمته منهاج حياة فإنك سوف تكون "صحابيا" بمعية الوجدان ولو فاتتك معية الزمان والمكان ذلك أن التربية الإيمانية ليست مرتبطة بالزمان ولا بللمكان..وإنما رباطها الوجدان، وميدان معركتها الفاصلة هي النفس البشرية – لذلك لم يقل ربنا عز وجل : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

إن مدار المعارك كلها إنما يقوم على حركة النفس البشرية، فإذا حسمت المعركة على مستوى الوجدان  تقرر حسمها على مستوى الزمان والمكان..وإذا أقمت "دولة الحق" في نفسك أقامها الله على الأرض.

 




 

الاثنين، 1 سبتمبر 2014

أثر عظيم

أثرٌ عظيم صححه الإمام الألباني 
اقرأه و تدبره
---------------------------------
قال جبير بن نفير :

جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما،
فمر به رجل، فقال:

طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، 

والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، 
وشهدنا ما شهدت.

فاستغضب !
فجعلتُ أعجب، ما قال إلا خيرا !

ثم أقبل إليه! فقال:

ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، 

لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه،

والله لقد حضر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقوامٌ كبهم الله على مناخرهم في جهنم

لم يجيبوه، ولم يصدقوه.

أولا تحمدون الله إذ أخرجكم 

لا تعرفون إلا ربكم،

مصدقين لما جاء به نبيكم، 

قد كفيتم البلاء بغيركم،

والله لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها فيه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان،

فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل،
وفرق بين الوالد وولده حتى إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان،

يعلم أنه إن هلك دخل النار،
فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار
وأنها للتي قال الله عز وجل:
{الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين}.

---------------------
صحيح الأدب المفرد للألباني
باب الولد قرة العين ٦٠/١

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

وأشواقها إلى أوقات البداية

واشوقاه إلى أوقات البداية (كلام نفيس للإمام ابن القيّم لكل من فترت همته) </STRONG>

والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله أمّا بعد:




قال الإمام ابن القيّم - رحمه الله -



ـ قوله :(وتفيد مطالعة البدايات)
يحتمل كلامه أمرين :




أحدهما: أنّ ملاحظة عين الجمع تفيد صابحها مطالعة السّوابق التي ابتدأه الله بها ،فتفيده ملاحظة عين الجمع نظرة إلى أوّلية الربّ تعالى في كلّ شيء.
ويحتمل أن يريد بالبدايات: بدايات سلوكه وحدة طلبه فإنّه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه لشدة شغله بما بين يديه ،وغلبة أحكام الهمة عليه فلا يتفرغ لمطالعة بداياته .
فإذا لاحظ عين الجمع قطع السلوك الأول وبقى له سلوك ثان، فتفرغ حينئذ إلى مطالعة بداياته، ووجد اشتياقا منه إليها كما قال الجنيد:
(واشوقاه إلى أوقات البداية)
يعني لذة أوقات البداية، وجمع الهمة على الطلب، والسير إلى الله ،فإنه كان مجموع الهمة على السير والطلب، فلما لاحظ عين الجمع فنيت رسومه ،وهو لا يمكنه الفناء عن بشريته وأحكام طبيعته فتقاضت طباعه ما فيها ،فلزمته الكلف فارتاح إلى أوقات البدايات لما كان فيها من لذة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمة .
ومر أبو بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- على رجل وهو يبكي من خشية الله فقال:
(هكذا كنا حتى قست قلوبنا)
وقد أخبر النبي- صلّى الله عليه وسلّم-:



((إِنَّ لِكُلِّ عَامِل شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً))


فالطالب الجاد لا بدأن تعرض له فترة ،فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقت الطلب والاجتهاد
،ولما فتر الوحي عن النبي صلى اله عليه وسلم "كان يغدو إلى شواهق الجبال ،ليلقى نفسه فيبدو له جبريل عليه السلام فيقول له إنك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسكن لذلك جأشه وتطمئن نفسه "


فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لا بد منه فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرّم رجى له أن يعود خيرا ممّا كان


قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه :


إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض


وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين من الحِكَم ما لا يعلم تفصيله إلا الله ،وبها يتبين الصّادق من الكاذب


فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه
والصّادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله، ويلقى نفسه بالباب طريحا ذليلا مسكينا مستكينا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتة ،ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له ،لا بسبب من العبد ـ وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب ـ لكن ليس هو منك بل هو الذي منّ عليك به وجرّدك منك وأخلاك عنك، وهو الذي ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.


فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فاعلم أنه يريد أن يرحمك، ويملأ إناءك، فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مضيع، فسل ربه ومن هو بين أصابعه أن يردّه عليك ويجمع شملك به ،ولقد أحسن القائل:


إذا ما وضعت القلب في غير موضع****بغـير إناء فهو قلب مضيع



مدارج السالكين – الجزء الثاني 318